الحلقة 2-السومريين والبابليين ..الدائرة الأولى -الدولة الباطنية

سومر والسومريون

ظهرت المملكة السومرية بين 4500 و4000 ق. م. في منبسطات السهل الرسوبي الواقع بين سواحل الخليج العربي في الجنوب، وبرزخ بغداد في الشمال، وبين دجلة في الشرق والفرات في الغرب. في زمن كانت فيه مياه الخليج العربي تتوغل شمالاً في البر العراقي، وكان لكل من دجلة والفرات مصبه الخاص به، قبل اتحادهما وتشكل شط العرب. ولقد عرفت هذه المنطقة بـ (شوميرو) باللغة الأكادية، في حين دعاها أبناؤها بـ : كي- ين- جِر (Ki-en-ĝir)، الاسم السومري الذي يعني (أرض الوطن native land)، ويرى بعض اللغويين الشركس أن التسمية تعني بلغتهم (أرض الوطن الكبير أو القديم ины- жъыр КI(ч)ы-) ونطقها واحد بالسومرية والشركسية. كما تعرف بـ : أرض سومر، وبلاد سومر في علم السومريات والشرق القديم. كما عرفت بـ ( أرض الملوك المتحضرين).

gutians_sumer_ziggurat2a

 ظهر اسم سومر للمرة الأولى في بداية الألف الثالث ق. م. لكن بداية وجود السومريين ترجع إلى الألف السادس ق. م. حيث استقر شعب الحضارة المعروفة بـ: ( العُبَيدية) نسبة إلى الموقع الأثري الذي اكتشفت في أثار هذ الحضارة في الجنوب العراقي. ويعد هذا الشعب أول من أسس ممالك المدن السومرية الأولى مثل أور، ولارسا، ولاجاش، وكولاب، وكيش، وإيسن، وأريدو، وأ-داب.

ولقد شهد السهل الرسوبي في جنوبي العراق ومنذ أوائل الالف الخامس ق.م. الانتقال من القرى الزراعية إلى حياة المدن الأولى مثل أريدو وأور كانت بدايات التخطيط للسيطرة على الفيضانات، وإنشاء السدود وحفر القنوات والجداول مكونة شبكة ري متطورة جداً في ميدان الهندسة المائية. مما جعل السومريين البناة الأوائل لأقدم حضارة في التاريخ. بلغت ذروتها بابتكار السومريين الكتابة في حدود سنة 3200 ق. م. ونشروها في عدة بلدان شرق أوسطية.

The_ancient_city_of_Mari

 وفي بداية الألفية الثالثة ق.م.غزت قبائل بدوية جزيرية (سامية) بلاد سومر وأكاد. واستولت على أهم مدنها, حتى جاء حمورابي ملك بابل وتغلب عليها عام 1763 ق.م. وأصبح الحاكم الوحيد لبلاد سومر وأكاد الموحدة بعدما ضمهمها لبابل لتظهر الحضارة السومرية- البابلية. فيما عرف بالدولة البابلية الأولى.

وعلى الرغم من الجدل القائم حول فرضيات أصل السومريين الكثيرة، فإن المؤكد والمتفق عليه أن السومريين ليسوا من (الساميين) أقوام الشرق القديم، بل شعب دخل المنطقة واستوطن جنوبي بلاد الرافدين وتكلم لغة فريدة (منعزلة) لاتمت إلى لغات المنطقة و الشرق القديم بأية صلة. و يرى أغلب الباحثين أن السومريين تكلموا لغة تنتمي إلى إسر لغات شمالية جبلية، فمنهم من نسبها إلى جبال شمال العراق والأناضول الشرقي، أو القفقاس، وآخرون إلى عيلام وإيران والهند. بل وأرجع أحدهم جذورها إلى هنغاريا لتجيير فضل السومريين على الحضارة الإنسانية إلى أوروبا. لكن أغرب الآراء في هذا الأمر أن عراقياً هارباً من قانون اجتثاث البعث العربي، قام بإلغاء الشعب السومري من التاريخ والوجود، لأن اللغة السومرية لاتنتمي إلى أسرة اللغات (السامية)،ومن بينها اللغة العربية !!؟؟.

ولما كانت اللغة السومرية أقدم وأول لغة مكتوبة في تاريخ البشرية، قام حول هويتها ونسبتها إلى الأسر اللغوية المعروفة، وأصل أصحابها جدل لم ينته، كما يبين الجدول الآتي:

  • أسرة اللغات الكارتوالية (قفقفاسية جنوبية)
  • أسرة اللغات الحورية – الأورارتية
  • أسرة لغات الموندا
  • اسرة اللغات العيلامية- الدرافيدية
  • أسرة اللغات الهندية- الأوروبية
  • أسرة اللغات الأورالية
  • أسرة اللغات القفقاسية الشمالية (الشركسية والشيشانية…)
  • أسرة اللغات التيبتية- البورمية

وبغض النظر عما تقدم، فإن حضارة سومر كانت أساساً لحضارات وممالك كثيرة، وأنتجت منجزات أغنت الإنسانية بثقافات مادية وروحية وفكرية لا حدود لها،  لكن أهم منجزات السومريين أنهم كانوا أول من اخترع الكتابة وأوجدها على سطح الكرة الأرضية، وهي المعروفة بالكتابة المسمارية، التي عاشت آلاف السنين وتبنتها شعوب الشرق القديم. فكانت كالكتابة اللاتينية اليوم.

البابــــــــليون

أقام البابليون، أحد شعوب الشرق القديم، دولتهم على أنقاض دولة أكّد التي عاشت قرابة نصف قرن فقط. ففي الفترة بين 2050-2000 ق.م. على يدا غزاة من قبائل (سامية) جزيرية (نسبة لشبه الجزيرة العربية) هاجموا مملكة سومر الكبرى التي كانت تعد أقوى مملكة في الشرق القديم، لكن أكّد مالبثت أن اندمجت سريعاً وذابت في المملكة السومرية- الأكّدية المشتركة، لتنصهر نهائياً في إطار المملكة البابلية- السومرية الموحدة. فالمملكة البابلية هي عملياً وريثة مملكتي سومر وأكد. ولقد نسبت إلى مدينة بابل التي تعني (بوابة الرب إيل) باللغات السامية، وتقع على بعد نحو 80 كم جنوب شرقي بغداد. ولقد قامت للبابليين دولتان، الأولى هي الدولة البابلية الأولى التي حلت محل الدولتين السومرية والأكّدية.

Sumarian-Civilisation

 نشأت الدولة البابلية الأولى بعد التحرر من الغزو الكوتي القادم من القفقاس، وبعد تدفق القبائل البدوية من الأموريين (الساميين) الذين وصفتهم النصوص الآمورية نفسها على أنهم بدو (لايعرفون الحبوب، ويأكلون اللحم النئ، ولايعرفون البيوت، ولا يدفنون موتاهم…)،على أرض سومر. وقد أسهم الأموريون في إسقاط سلالة أور السومرية وحضارتها، ما مهد الطريق لظهور الدولة البابلية الأولى. التي ازدهرت في عهد الملك حمورابي الذي اشتهر بتشريعاته المشهورة بـ (قانون حمورابي 1750 ق. م.)، وإصلاحاته. وعرفت بالمملكة السومرية- البابلية لكن  نجم الدولة البابلية- السومرية بعد حمورابي مال إلى الأفول، لتعود وتزدهر بعد سيطرة الكلدانيين على بابل سنة 625 ق. م.

ولقد بلغت مدينة بابل في زمن الدولة البابلية الأولى ومنذ بداية حكم حمورابي أوج عظمتها، وتطورت فيها العلوم الفلكية والرياضيات والطب والعمران والري . التي تعد معالم ساطعة في تاريخ الإنسانية.ولعل أشهر آثاربابل القديمة هو ( برج بابل ) المندثر والذي كان  مؤلفاً من سبع طبقات دائرية يعلوها المعبد العالي إضافة إلى القصور العديدة. أما حدائق بابل المعلقة فلم يُعثر على آثار لها بعد، على الرغم من شهرتها في كتابات المتأخرين ، وتصنيفها واحدة من عجائب العالم السبع.

Annunaki

أما الدولة البابلية  الثانية الحديثة فقد عاشت بين 625- 539 ق. م. وكان أشهر ملوكها نبوخذ نصر. ولقد اتصل تطور العلوم والعمارة والفنون  في عهد الدولة البابلية الثانية إلى أن استولى عليها الفرس الاخمينيون، ومن آثارها بوابة عشتاروبلاط الملك، والطريق الملكي.

babel

اللغة البابلية لغة مشرقية قديمة تنتمي إلى أسرة اللغات (السامية)، ومنها الأكّدية بفرعيها، والبابلية والآشورية، والكنعانية والآرامية والعربية والعبرية. ولقد سادت البابلية في الشرق القديم نحو ألف عام، مع احتفاظها بالكتابة السومرية المسمارية التي استعملتها حضارات الشرق القديم نحو 2000 سنة حتى بدايات عهد المسيح. ليس هذا فحسب بل كثيراً ما كتبت العهود والمواثيق البابلية الرسمية غيرها باللغات المذكورة إلى جانب نصها باللغة السومرية. وكان أغلب الشعب البابلي ثنائي اللغة بل ومتعدد اللغات، إلى أن حلت الغة الآرامية محلها.

                       منجزات الحضارة السومرية- البابلية

لم تقتصرمنجزات الحضارة السومرية – البابلية على اكتشاف المعادن واستغلال الأرض وبناء المدن وعمرانها، وتشييد المعابد، واختراع الكتابة  وتنظيم الري،  بل تُبين رُقم ولويحات سومر وبابل أنها وضعت الأسس الأولى لمختلف العلوم مثل الرياضيات والهندسة والفلك و(التنجيم)  والطب والشرائع وغيرها، كما رسمت المبادئ الرئيسية للميتولوجيا واللاهوت والروحانيات. وكان الجانب الروحاني واللاهوتي الخرافي في البداية غالباً على فهم السومريين للكون، الأمر الذي أدى إلى الإيمان بقوى الطبيعة كالماء والريح السماء، بالنسبة للزراعة والحياة كلها، والتي تجسدت  في ثلاثة آلهة قدسوها. وأدى بهم اهتمامهم الكبير بالنجوم والكواكب، إلى تصنيفهم سادة علم الفلك والتنجيم ورواده الأوائل. فكان للأرض (كي أو كئي)، وقمرها وللشمس ولكل الكواكب السيارة، إله خاص.  ولعل النظام الستيني المعتمد في الرياضيات وقياس الوقت والهندسة  والزوايا والمكاييل والدوائر والمدارات الفلكية وغيرها، هو ثاني أعظم الاختراعات العلمية السومرية- البابلية بعد الكتابة، التي شكلت وما تزال تشكل ركناً مهماً في العلوم المذكورة إلى يومنا هذا. وهذا النظام هو ما ميز الفلك السومري كعلم، من التنجيم السومري كممارسة  روحانية سحرية. فإلى السومريين يرجع فضل فصل الفلك كعلم عن التنجيم كممارسة غيبية. كذلك عرف السومريون  السنة القمرية وقياسها على السنة الشمسية، وتقسيمات الشهور القمرية، كما رصدوا خسوف القمر وكسوف الشمس وفسروهما ميتولوجياً. ولقد عمل ملوك سومر وحكامها أنفسهم بالفلك، مثل ملك أور (ناتشو)، و (جوديا) (شولكي)، كما جعلوا من الزقورات (المعابد المرتفعة) مراصد فلكية خاصة بكوكب أو نجم ما، فزقورة أريدو للشمس، وزقورة أور للقمر، و أوروك للزهرة، ومردوخ للمشتري…ألخ.

7048057_orig

وعلى الرغم من الأصول الميتولوجية السومرية لكثير من المنجزات الفلكية فإنها كانت سبيلاً للتطور الأكّدي والبابلي في مجال الفلك والعلوم الأخرى. فعرفت سومر وبابل الأبراج ومنازلها وأزمنتها، كما وُضعت الجداول الفلكية، واختُرع الاصطرلاب وجداوله، الذي يرجع تاريخه إلى 1100 ق. م. وهو أقدم اصطرلاب في التاريخ،  كذلك  أوجدوا المِزوَلة (الساعة الشمسية للنهار) والساعة المائية (لليل) وغيرها.ويذكر بلوتارك أن فكرة مركزية الشمس في النظام الفلكي ودوران الأرض حولها ظهرت في أرض سومر وبابل في القرن الثاني ق. م.  كما وضع السومريون- البابليون مبادئ علم الطب، وأساسياته المعمول بها إلى اليوم. ويأتي على رأسها مبدأ تشخيص المرض  والتعرف على تاريخه. يلي ذلك مبدأ الفحص السريري، ثم وصف الدواء فالمعالجة، والتكهن بتطورالمرض المستقبلي.

 ولقد حوت نصوص الرقم المسمارية جداول بالأمراض و أساليب معالجتها (إما بالضمادات أو بالدهون والمراهم أو بالحبوب والشراب) بل وبالجراحة. وفي حال فشل العلاج المادي- الفيزيائي، لجأ أطباء سومر- بابل إلى معالجة مرضاهم بالرقى والتعاويذ وغيرها من أشكال العلاج الروحاني وبالطاقة، التي تصنف ضمن ما نعرفه اليوم بالطب البديل. ويعد (كتاب تشخيص الأمراض) الأكّدي من النصف الأول للألف الثاني ق. م. أهم وأقدم عمل طبي معروف.

أما نظام الري وتزويد المدن بالمياه وتجفيف المستنقعات وتنظيم الزراعة السومري، ومن ثم البابلي فكان يعتمد على شبكة من القنوات والسواقي والتمديدات التي تعد من أقدم عجائب منجزات الهندسة المائية في العالم. وقل الشئ نفسه بالنسبة للعمران  والهندسة المعمارية في بناء المدن والقصور والمعابد والزقورات والطرق، باستخدام لبنات الطين المشوي والآجر، لافتقار البلاد إلى الحجارة والأخشاب.

كذلك قامت في أرض سومر أعمال أدبية مهمة،  و تُرجمت الأعمال السومرية إلى اللغة البابلية، في حين بقيت اللغة السومرية لغة القانون والدين والعبادة في زمن كانت فيه اللغة البابلية تنافس اللغة السومرية وتحل محلها تدريجياً. ولعل أشهر الأعمال الأدبية السومرية المعروفة اليوم هي ملحمة جلجامش. وأخيراً وليس آخراً فإن نظام التعليم المدرسي كان من واحداً من أهم المنجزات الحضارية، حيث افتتحت المدارس في أرض سومر ومن ثم في بابل، حيث كانت من أهم المراكز الثقافية والتعليمية منذ آلف السنين.

بعد أن تعرفنا على تاريخ المنطقة سنبدأ بالدخول إلة تفاصيل الدائرة الاولى … وعي معلومات لم تسمعها من قبل … تابعونا

 

Pin It

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *