إخفاء الحقيقة وبرمجة العقل البشري – الحلقة الثانية / السلطة الإيديولوجية

السلطة الإيديولوجية

السلطة الايديولوجية

 

لقد توصّل الباحثين في العلوم الإنسانية ، بعد دراسة التاريخ الإنساني الطويل ، إلى استنتاج هام يخص السلوك الإنساني . اكتشفوا أنه مهما حصل من تغييرات في توجّه الشعوب ، إن كانت دينية أو فلسفية أو إيديولوجية أو غيرها من مذاهب فكرية تحاول تكريس الأخلاق الإنسانية الرفيعة و رخاء الشعوب ، هذا التغيير مهما كان جذرياً لم يمنع صفات مثل عدم الإسستقامة أو الطغيان أو ألتوق للسلطة و غيرها من غرائز إنسانية وضيعة في البقاء و الاستمرار و من ثم الظهور بقوّة !. هذا هو السبب الرئيسي الذي أدّى إلى إحباط جميع الحركات الاجتماعية الإنسانية التي نشأت عبر التاريخ !.

فالثورة الفرنسية التي كانت ثمرة مفكرين عظماء مثل فولتير و جان جاك روسو و فيكتور هوغو و غيرهم .. قضت على الملك و رجاله و حكومته و المقربين منه و كل ما يخص الملكية في فرنسا . لكنها في النهاية جلبت نابليون ! هذا الرجل الذي جعل نفسه إمبراطوراً ! و أولى أقربائه المناصب الرفيعة و حتى العروش ! و فعل ضباطه العسكريين بالأهالي المدنيين ما لم يجرؤ الملكيين فعله ! و وصل طغيان نابليون إلى حد لم يجرؤ الملك في وصوله ! و كل أفعال نابليون كانت باسم الثورة !. هذه الثورة التي حملت وعوداً بالحرية و الارتقاء الاجتماعي و الحضاري ، كادت تعيد أوروبا إلى العصور الوسطى ! نتيجة مغامرات نابليون العسكرية و إجراءاته الأمنية التي أفرغت المجتمعات من المفكرين و المبدعين الحقيقيين !.

أما الثورة الشيوعية التي قامت على الحكومة القيصرية في روسيا ، فكانت ثمرة أفكار كارل ماركس و أنجلز و غيرهم من المفكرين الذين وجدوا فيها خلاص الشعوب الرازحة تحت الطبقات البرجوازية الاستبدادية و الفقر المتقع و العبودية المطلقة و غيرها من مآسي إنسانية سائدة في حينها . لكن هذه الثورة أنجبت ستالين ! و ما أدراكم من هو ستالين ؟! هذا الرجل الذي في ذمته الملايين من الأرواح !. كان يحكم باسم الثورة ! و يستبد باسم الثورة ! و يقتل باسم الثورة !. و الفكر الشيوعي الذي طالما نادى بالعلمانية و حريّة العلم و الفكر المجرّد و غيرها من العناوين الطنانة ، أصبح فيما بعد رمزاً لاستبداد فكري و إيديولوجي ليس له مثيل في التاريخ !. طرد الكثير من المفكرين الأحرار من الساحة الفكرية و الأدبية ، و لم يبقى سوى الذين مجّدوا الثورة و انجازاتها ! و قد منع الكثير من الأدباء من نشر اعمالهم ! و قضية الكاتب ” ماياكوفسكي ” الذي انتحر في العام 1930م معروفة للجميع !. لكن تبيّن أن الانتحار كان أفضل الوسائل من أجل الهروب من القمع الذي تعرض له الملايين !. فقد اعتقل الآلاف من الأدباء مثل ” ماندلستام ” و “بابل” و غيرهم ، و لا أحد حتى الآن يعلم إن كانوا قد أعدموا أو ماتوا في السجن !. حتى أن ماكسيم غوركي نال نصيبه من الانتقاد اللاذع من الحكومة المركزية ! نتيجة خلافات في بعض التفاصيل السياسية ! هذه الخلافات التي أدّت إلى تحطيم المئات من الكتاب اللامعين ، مثل ” باستدناك ” مؤلف رواية دوكتور زيفاغو ، الذي مات فقيراً في العام 1960م !.

أما ” ألكسندر سولزينستين ” فقد طرد خارج البلاد في العام 1974م نتيجة كتاباته الناقدة للستالينية !. و قد نال المنهج العلمي نصيبه من القمع و التحريف ! أشهر مثال على ذلك كان قضية عالم الهندسة الزراعية ” توفيم ليسينكو ” الذي رفض نظرية الكروموزوم التي تثبت انتقال الصفات النباتية بالوراثة ! و أدعى بان نظرياته هي الأنسب للفكر الماركسي ! و قد نجح بإقناع ستالين عام 1948م بأن يمنع الكثير من الأبحاث البايولوجية التي تستند إلى نظريات منافية للفكر الماركسي ! و هذا ما حصل فعلاً !.. و لم تصحّح هذه القرارات المنحرفة إلا في منتصف الستينات من القرن الماضي !.

أما العلماء و الفيزيائيين ، فقد نالوا اهتمام الدولة المركزية و رعايتها ، و عوملوا بسخاء ، و قد زيّنت صدورهم بالأوسمة و النياشين ، و اعتبروا أبطالاً قوميين ! لكنهم كانوا مجبورين على البحث في مجالات تمليها عليهم السلطة المركزية ! و كانوا يخضعون لمراقبة مشدّدة ! و تسعين بالمئة منهم كانوا يعملون في مختبرات سريّة ! و قد أنشأت مدن خاصة في مناطق نائية سريّة قامت باحتواء العلماء و عائلاتهم . و عاشوا حياة مشابهة لحياة المعتقلات ! و كانوا يكرّسون معظم أوقاتهم للأبحاث المفروضة عليهم !. لكن هذه الإجراءات المشدّدة على العلماء لم تمنعهم من الإبداع و كان لهم الفضل في احتلال الإتحاد السوفيتي مركز بارز في مجالات علمية مختلفة كمجال الفضاء و المجال النووي و الكيمياء و الفلك و غيرها من العلوم التقليدية المعروفة . و قد نال العديد من العلماء السوفييت جوائز نوبل تقديراً لجهودهم و إنجازاتهم العظيمة . و الإنجازات الأعظم كانت في العلوم الغير تقليدية و الغير مسموح بالعمل فيها بشكل علني ، و لازال الملايين يجهلون وجودها أساساً ! و كان العلماء يبحثون فيها بسرية تامة رغم أنها كانت منافية للنظرية الشيوعية ! و هذا ما سوف نذكره في الأسباب الاستراتيجية لدفن الحقيقة . و بما أننا لازلنا في الأسباب الإيديولوجية ، و جب علينا ذكر الزعيم النازي هتلر الذي أمر العلماء بالتخلّي عن جميع أبحاثهم العلمية المختلفة و أن يتفرّغوا للبحث عن إثباتات و براهين علمية تؤكّد حقيقة تفوّق العرق الآري على الأعراق البشرية الأخرى ! بالإضافة إلى تسخير مواهبهم الإبداعية في تصميم الأسلحة و تطويرها ، و إيجاد حلول لمشاكل مستعصية طرأت على مخططاته الحربية , و تزويد الاستخبارات الألمانية ( الغوستابو ) بوسائل و تجهيزات و محاليل كيماوية متطوّرة مما جعلت هذا الجهاز يصبح أخطر الأجهزة الاستخباراتية في العالم !. و الرواية ذاتها تكررت مع كل طاغية مستبد . لوحق العلماء المعارضين لتوجهات هتلر و أوامره ، و قتل الكثير منهم ! و منهم من هرب إلى دول كثيرة أهمها الولايات المتحدة التي قامت بالاستفادة منهم و من خبرتهم بشكل كبير !. هذا التوجّه العلمي الذي فرضه هتلر نحو المجالات الحربية و غيرها من توجهات منحرفة لا إنسانية ، قامت بتدمير النهضة العلمية الهائلة التي شهدتها ألمانيا ! لو أنها استمرّت على النحو الذي كانت عليه قبل هتلر لأصبحت ألمانيا الآن تقود العالم في عصر جديد لا يمكننا تخيّله ! كانت فعلاً فرصة عظيمة بالنسبة للإنسانية !. لكن هذا ما يحصل عندما يحكم المجانين بلاد الحكماء و المبدعين !.. هكذا علمنا التاريخ !.

و بالحديث عن المجانين ، وجب علينا ذكر العنصريين الذين حكموا يوماً جنوب أفريقيا . و الذين استوردوا الكثير من نظريات العلماء النازيين التي تخصّ التفرقة العرقية ! فكانوا يتلهّفون لأي نظرية أو فكرة أو اكتشاف يثبت توجّههم المنحرف في دعم إيديولوجيتهم العنصرية !. و قد عمل هؤلاء على تزوير الكثير من الحقائق العلمية ، و حتى التاريخية ، من أجل إثبات صحّة أفكارهم البغيضة !. أشهر عمليات التزوير التي اقترفها العنصريين البيض في جنوب أفريقيا كانت تلك الدراسات التي تمحورت حول بناء مدينة الشمس في جنوب أفريقيا و مدينة زيمبابوي في روديسيا ( زيمبابوي حالياً ) . فعملت دراساتهم على استبعاد حقيقة أن العرق الأسود هو الذي قام ببناء هذه الصروح الأثرية الجبارة ! لأن الأفارقة المحليين غير مؤهلين لهذه الإنجازات الحضارية الراقية !. فماذا فعل العنصريين ؟ قاموا بإنساب هذه الصروح العمرانية بشعب إسرائيل !. أبطال روايات العهد القديم ! و قد أكّد هذه الأكاذيب و رسخها في العقول الكثير من رجال العلم البارزين !.

و بقيت هذه الحقائق المزوّرة تدرّس في المدارس و الأكاديميات لفترة طويلة من الزمن ! إلى أن ظهرت الحقيقة فيما بعد . حقيقة أن القارة الأفريقية السوداء قد زخرت يوماً بحضارات عظيمة لا يمكن تصوّر عظمتها ! و تم اكتشاف الكثير من ما يثبت هذه الحقيقة الجديدة على العالم ، خاصة بعد زوال النظام الأحمق العنصري في أفريقيا !. أما الايديولوجية الأكثر مثيرة للجدل فهي تلك التي طلت علينا بثوبها الجديد في أواخر القرن التاسع عشر . و كان أبرز رجالها هو هرتزل الذي عمل جاهداً على ترجمة مجموعة من الخرافات اليهودية إلى واقع ملموس . واقع مصطنع شغل العالم بأسره . و سخّر رجال هذه الأيديولوجيا الخطيرة كل معارفهم و نفوذهم بين الأوساط النافذة حول العالم من أجل تحقيق هذه الأكذوبة التي ليس لها أساس . لكن النتيجة الاكثر خطورة التي خلفتها أعمال هؤلاء الوحوش الآدميين هي ظهور أجيال و حتى شعوب بكاملها تؤمن إيماناً مطلقاً بهذه الأكاذيب ‍ ذلك بسبب الحقن الإعلامي و الفكري و الثقافي و غيرها من وسائل فتاكة تعمل على تدمير العقول .

 

Pin It

4 thoughts on “إخفاء الحقيقة وبرمجة العقل البشري – الحلقة الثانية / السلطة الإيديولوجية

  1. شكرا على المقالة لكن ما هي الحقيقة بخصوص القارة الافريقية ما هي هذه الحضارات العظيمة
    هل يقصد بها مصر !

    • شكرا عل المشاركة ….. السر المتعلق بأفريقيا هو أن العديد من الدراسات والمقالات والبحوث تؤكد أن أفريقيا كانت أو الأماكن التي وجد فيها بقايا بشرية …. وفي دراسات الآلهة السومرية والفرعونية يوجد روايات تؤكد أن الآلهة حطت في إفريقيا كبداية ومن ثم انتقلو إلى المناطق الأخرى وسنتطرق لهذا الموضوع بالتفاصيل تابعنا

  2. عفوا مالمقصود هنا بالآلهة هل هم سكان البعد الرابع اي المخلوقات الفضائية ام هم بشر مثلنا ؟ وشكرا لك ماستر

    • نعم صديقتي نور انهم مخلوقات من البعد الرابع وقد حدث تزاوج مع البشر في فترة من الزمن

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *